كمين إستراتيجي أم استعراض قوة ؟ قراءة في التصعيد الأمريكي الإيراني
✍️ يوحنا عزمي
في وسط سيل الشائعات والتكهنات التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي، يندفع كثيرون إلى استنتاج متسرع مفاده أن المنطقة عادت مجدداً إلى نقطة الصفر، وأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل أصبحت مسألة وقت لا أكثر. لكن القراءة الهادئة للمشهد تشير إلى أن الواقع أكثر تعقيداً من تلك الصورة المبسطة، وأن ما يجري حاليًا لا يعكس بالضرورة انهيار المسار التفاوضي أو عودة المواجهة العسكرية الشاملة ، بقدر ما يعكس مرحلة جديدة من الصراع السياسي والاستراتيجي الذي يسعى فيه كل طرف إلى تحسين شروطه قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
فالحروب الكبرى لا تبدأ عادة عبر تسريبات أو شائعات متداولة على مواقع التواصل، وإنما عبر مؤشرات سياسية وعسكرية واضحة، أولها الإعلان الرسمي عن فشل الاتفاقات القائمة أو انسحاب أحد الأطراف منها بشكل صريح. وحتى هذه اللحظة ، لا توجد إشارات معلنة تؤكد انهيار التفاهمات أو انتهاء فرص التسوية السياسية. بل على العكس، ما زالت التصريحات الصادرة من مختلف الأطراف تحمل لغة الضغط والتهديد أكثر مما تحمل لغة إعلان الحرب.
وإذا نظرنا إلى الموقف الأمريكي تحديداً ، سنجد أن الإدارة الأمريكية كانت تمتلك فرصة سياسية مثالية لاستثمار أي تحرك إيراني ضد إسرائيل كذريعة لإعادة إشعال المواجهة العسكرية بصورة واسعة. لكن ما حدث على أرض الواقع أظهر أن واشنطن لم تنجرف بالكامل وراء الرغبة الإسرائيلية في التصعيد، وهو ما يكشف عن وجود حسابات أمريكية أكثر تعقيدًا من مجرد دعم غير مشروط لأي مواجهة مفتوحة في المنطقة. فالإدارة الأمريكية تدرك جيداً أن أي حرب واسعة النطاق ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وأمن الممرات البحرية ، كما ستضع القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة أمام تحديات أمنية غير محسوبة.
ما يحدث حالياً يبدو أقرب إلى عملية استعراض قوة متبادلة. كل طرف يحاول أن يرسل رسالة للآخر بأنه لا يزال يمتلك أوراق الضغط والقدرة على الردع. إيران تريد أن تؤكد أنها خرجت من الضربات السابقة محتفظة بجزء معتبر من قدراتها العسكرية ، وأنها ليست في موقع الطرف المنهار أو المستسلم. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ترسيخ معادلة مفادها أن أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة ستواجه برد قاسٍ ومباشر.
ومن هنا تكتسب بعض التصريحات الصادرة عن قيادات الحرس الثوري الإيراني أهمية خاصة. فعندما يتحدث مسؤول إيراني عن امتلاك معلومات دقيقة بشأن الدور الأمريكي في دعم العمليات الإسرائيلية أو المشاركة في التصدي للهجمات الإيرانية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتبادل الاتهامات السياسية ، بل يكشف أيضاً عن وجود شبكة معلومات استخباراتية نشطة تعمل على متابعة التحركات العسكرية في المنطقة. وهنا تبرز تساؤلات عديدة حول الجهات القادرة على توفير مثل هذه المعلومات الحساسة، خاصة في ظل التقارب المتزايد بين طهران وموسكو وبكين خلال السنوات الأخيرة.
لكن الأخطر من كل ذلك هو أن المنطقة تبدو وكأنها دخلت مرحلة “اختبار الإرادات”. فكل طرف يحاول دفع خصمه إلى اتخاذ خطوة قد تمنحه المبرر السياسي والعسكري للتحرك بشكل أوسع. الولايات المتحدة تدرك أن إيران نجحت خلال الفترة الماضية في إعادة بناء أجزاء مهمة من بنيتها العسكرية والصاروخية، كما أنها استفادت من الوقت لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية. لذلك قد يكون الهدف الحقيقي لبعض التحركات الأمريكية ليس فقط توجيه رسائل ردع، وإنما أيضًا دفع إيران إلى رد فعل محسوب يمكن استثماره لاحقًا لتبرير عمليات أكثر اتساعًا تستهدف القدرات العسكرية للحرس الثوري ومراكز القيادة والسيطرة.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة في العلاقات الدولية. فالقوى الكبرى غالباً ما تسعى إلى خلق ظروف سياسية تمنحها الشرعية أمام الرأي العام المحلي والدولي قبل الانتقال إلى مراحل أكثر حدة من الصراع. لذلك فإن أي رد إيراني واسع على أهداف أمريكية أو إسرائيلية قد يتحول إلى فرصة تستخدمها واشنطن لتوسيع نطاق الضغط العسكري والسياسي على طهران.
وفي قلب هذا الصراع تظل قضيتان أساسيتان تمثلان جوهر الخلاف الحقيقي بين الطرفين ؛ الأولى هي أمن مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، والثانية هي ملف اليورانيوم المخصب والقدرات النووية الإيرانية. فهاتان الورقتان تمثلان بالنسبة لواشنطن خطوطًا حمراء استراتيجية، بينما تعتبرهما طهران جزءًا أساسيًا من أدوات قوتها ونفوذها الإقليمي.
لهذا السبب، فإن ما نشهده اليوم لا يبدو حرباً شاملة بقدر ما يبدو صراعًا معقدًا لإعادة رسم موازين القوة وشروط التفاوض. إنها مواجهة إرادات أكثر منها مواجهة جيوش، ومعركة رسائل أكثر منها معركة احتلال أراضٍ. لكن المشكلة الحقيقية أن مثل هذه الألعاب الاستراتيجية تحمل دائمًا خطر الخطأ في الحسابات. فطلقة واحدة في المكان الخطأ، أو قرار متسرع من أحد الأطراف،قد يحول حرب الأعصاب الحالية إلى مواجهة مفتوحة لا يرغب بها أحد، لكنها قد تفرض نفسها على الجميع.
ويبقى الخليج العربي هو الحلقة الأكثر حساسية في هذا المشهد المضطرب، لأنه سيكون أول من يدفع ثمن أي انزلاق غير محسوب نحو التصعيد. وبينما تستمر القوى الكبرى والإقليمية في لعبة شد الحبل ، يبقى السؤال الأهم : هل تنجح الدبلوماسية في احتواء الصراع ، أم أن المنطقة تقترب من لحظة يخرج فيها التوتر عن السيطرة؟ الأيام المقبلة وحدها ستجيب عن هذا السؤال.
