هرمز تحت النار.. هل بدأت الحرب التي كان العالم يخشاها؟
بقلم : يوحنا عزمي
في لحظات معينة من عمر الصراعات لا يعود السؤال المطروح هو: من أطلق الصاروخ؟ بل يصبح السؤال الحقيقي : من قرر كسر قواعد اللعبة بالكامل؟ وما يحدث الآن في منطقة الخليج يبدو أقرب إلى هذا النوع من اللحظات الفاصلة التي تنقل المنطقة من مرحلة الضغوط المتبادلة إلى مرحلة المواجهة المباشرة المفتوحة.
إذا صحت التقارير المتداولة حول إصابة قطعة بحرية أمريكية داخل مضيق هرمز بصاروخ باليستي بحري إيراني، فإننا نكون أمام تطور غير مسبوق في طبيعة الاشتباك بين واشنطن وطهران.
فطوال العقود الماضية كانت المواجهة بين الطرفين تدور غالبًا عبر الوكلاء، أو من خلال ضربات محسوبة بدقة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة. أما استهداف سفينة أمريكية بشكل مباشر داخل أحد أهم الممرات المائية في العالم، فهو رسالة تتجاوز البعد العسكري إلى بعد سياسي واستراتيجي بالغ الخطورة.
الأخطر من الضربة نفسها ليس حجم الخسائر التي قد تكون نتجت عنها، وإنما الدلالة التي تحملها. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري عادي، بل هو شريان الطاقة العالمي الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز. وأي محاولة لإغلاقه أو فرض السيطرة عليه بالقوة تعني عملياً وضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ قد يمتد تأثيره من أسعار الوقود إلى الأسواق المالية وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم.
ما نراه اليوم يوحي بأن الطرفين تجاوزا مرحلة الرسائل التحذيرية. الولايات المتحدة تبدو مصممة على عدم السماح بتحول المضيق إلى منطقة نفوذ إيرانية مغلقة، بينما ترى طهران أن التراجع في هذه اللحظة سيعني فقدان أهم أوراق الضغط التي تمتلكها. وبين هذين الموقفين تتشكل معادلة شديدة الخطورة تجعل احتمالات الاحتكاك المباشر أكبر من أي وقت مضى.
ومن يراقب طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف خلال الساعات الماضية يلاحظ أن التركيز لم يكن على منشآت رمزية أو أهداف ذات قيمة دعائية فقط، بل على شبكات الرادار والقيادة والسيطرة ومنظومات الدفاع الجوي. وهذا النوع من الأهداف عادة ما يرتبط بمرحلة تسبق العمليات العسكرية الأوسع، لأن أي قوة تسعى إلى تحقيق تفوق جوي أو بحري تحتاج أولًا إلى إضعاف قدرة خصمها على الرصد والاستجابة.
في المقابل، تحاول إيران إظهار أنها ما زالت تمتلك القدرة على الردع وأن دفاعاتها لم تتعرض للشلل، ولذلك تتحدث مصادرها عن اعتراضات جوية وتحركات قتالية واسعة واستنفار شامل للقوات المسلحة. وفي الحروب الحديثة لا تقل الحرب الإعلامية أهمية عن المواجهة العسكرية نفسها، لأن كل طرف يسعى لإقناع جمهوره وحلفائه بأنه ما زال ممسكًا بزمام المبادرة.
لكن المشكلة الكبرى أن مثل هذه الأزمات لا تسير دائمًا وفق حسابات العقل والمنطق. فكل صاروخ جديد يرفع سقف الرد المتوقع من الطرف الآخر، وكل رد يخلق مبررات لرد أكبر منه، حتى تجد الأطراف نفسها داخل دائرة تصعيد يصعب الخروج منها دون خسائر مؤلمة. ولهذا تبدو المنطقة اليوم أقرب ما تكون إلى حافة منعطف تاريخي قد يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بأكمله.
وإذا استمرت المواجهات داخل مضيق هرمز بهذا المستوى من الحدة، فإن القضية لن تظل مجرد أزمة أمريكية إيرانية، بل ستتحول إلى أزمة عالمية تمس أمن الطاقة والتجارة الدولية والاستقرار الاقتصادي في عشرات الدول. وعند هذه النقطة لن يكون السؤال: هل تتوسع المواجهة؟ بل إلى أي مدى يمكن للعالم أن يتحمل تبعاتها إذا خرجت الأمور عن السيطرة.
ما يحدث الآن ليس مجرد تبادل للضربات أو استعراض للقوة، بل اختبار حقيقي لإرادة الطرفين وقدرتهما على إدارة أخطر مواجهة مباشرة بينهما منذ سنوات طويلة. والساعات المقبلة وحدها هي التي ستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو احتواء الأزمة، أم أنها دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها الصدام المفتوح الذي قد يغير كل الحسابات القديمة.