Deprecated: The each() function is deprecated. This message will be suppressed on further calls in /home/zhenxiangba/zhenxiangba.com/public_html/phproxy-improved-master/index.php on line 456
الهجمات الإيرانية على الخليج .. هل تسقط ثقة العرب في المظلة الأمريكية أم تعمق اعتمادهم عليها؟ - مجلة هافن
[go: Go Back, main page]

مقالات

الهجمات الإيرانية على الخليج .. هل تسقط ثقة العرب في المظلة الأمريكية أم تعمق اعتمادهم عليها؟

✍️ يوحنا عزمي

في تقديري ، لا يمكن قراءة الهجمات الإيرانية المتكررة على بعض دول مجلس التعاون الخليجي، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو غيرها من أدوات الضغط غير المباشر ، باعتبارها مجرد ردود فعل عسكرية محدودة أو رسائل تكتيكية مرتبطة بحدث آني، وإنما تبدو جزءاً من استراتيجية سياسية وأمنية أوسع تسعى طهران من خلالها إلى إعادة تشكيل معادلات القوة والنفوذ في الخليج العربي.

فإيران تدرك جيدًا أن المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة أو مع حلفائها ليست الخيار الأكثر كفاءة لتحقيق أهدافها ، ولذلك تلجأ إلى توظيف الضغوط الأمنية المتدرجة لإيصال رسالة أكثر عمقاً وتأثيراً مفادها أن منظومة الحماية الأمنية التي تعتمد عليها دول الخليج منذ عقود ليست بالصلابة التي يُعتقد أنها عليها.

من هذا المنطلق ، يمكن فهم هذه الهجمات باعتبارها محاولة إيرانية لإقناع العواصم الخليجية بأن الوجود العسكري الأمريكي الكثيف المنتشر في المنطقة لم ينجح في منع التهديدات أو توفير مظلة ردع كاملة، رغم ما تملكه واشنطن من قواعد وجيوش وأسطول بحري وقدرات استخباراتية متطورة.

الرسالة الإيرانية هنا لا تستهدف إسقاط هذه القواعد عسكرياً ، فهذا أمر خارج الحسابات الواقعية، وإنما تستهدف إسقاط الثقة السياسية والنفسية في جدواها. فحين تنجح مسيّرة أو صاروخ أو عملية محدودة في تجاوز كل هذه المنظومات الأمنية، فإن السؤال الذي ترغب طهران في زرعه داخل العقل الخليجي يصبح أكثر إلحاحًا: إذا كانت هذه القواعد موجودة لحمايتنا، فلماذا لا تمنع الخطر قبل وقوعه؟

وتحاول إيران البناء على هذا التساؤل لتقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على توفير بديل مختلف للأمن الإقليمي، يقوم على التفاهمات المباشرة بين دول المنطقة بعيدًا عن المظلة الأمريكية. وهي بذلك تسعى إلى تكريس فكرة أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي لا يمثل عنصر استقرار، بل عامل توتر دائم، وأنه أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الخليج ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية. ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن إزالة هذا الوجود أو تقليصه قد يفتح الباب أمام نظام أمني جديد قائم على المصالح المتبادلة والتفاهمات الإقليمية بدلاً من التحالفات العسكرية الخارجية.

لكن هذه الرؤية الإيرانية تصطدم بحقيقة تاريخية وسياسية لا يمكن تجاهلها. فالوجود العسكري الأمريكي في الخليج لم ينشأ بسبب التهديد الإيراني وحده، بل جاء نتيجة تراكمات أمنية معقدة بدأت تتبلور بصورة واضحة منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990. ذلك الحدث غير بشكل جذري تصورات الأمن لدى دول الخليج الصغيرة ، التي وجدت نفسها فجأة أمام تهديد مباشر صادر من داخل محيطها الإقليمي ، وليس من خارجه. ومنذ ذلك الوقت ترسخ الاعتقاد بأن البقاء دون مظلة حماية دولية قد يترك هذه الدول عرضة لمخاطر يصعب التعامل معها منفردة.

ومع مرور السنوات، تغيرت مصادر التهديد ولكن لم تتغير فلسفة الحماية. فبعد سقوط نظام صدام حسين وتدمير القدرات العسكرية العراقية وتراجع الدور العراقي التقليدي في معادلات القوة الإقليمية، تحولت الأنظار تدريجياً نحو إيران باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر تأثيراً والأكثر قدرة على ممارسة الضغوط السياسية والعسكرية في المنطقة. كما أن التمدد الإيراني في عدد من الملفات العربية، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، عزز لدى قطاعات واسعة من النخب الخليجية الشعور بأن الخطر المحتمل لم يعد عراقيًا كما كان في السابق ، بل أصبح إيرانياً بالدرجة الأولى.

وفي المقابل ، لا تنظر معظم دول الخليج إلى إسرائيل باعتبارها مصدر تهديد مباشر لأمنها القومي في المرحلة الحالية، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا التقدير. فالحسابات الأمنية الخليجية تتركز أساسًا على التهديدات المحيطة جغرافيًا والمباشرة التأثير على استقرارها الداخلي والخارجي. ولهذا السبب ، ظلت الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة بالنسبة لهذه الدول خياراً استراتيجياً يصعب الاستغناء عنه ، حتى مع وجود ملاحظات وانتقادات متزايدة تتعلق بدرجة التزام واشنطن بحماية حلفائها أو سرعة استجابتها للأزمات.

ومن هنا، أعتقد أن الرهان الإيراني على أن هذه الهجمات قد تدفع دول الخليج إلى إعادة النظر جذرياً في تحالفاتها الأمنية قد يكون رهاناً مبالغاً فيه. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الشعور بالتهديد لا يدفع الدول عادة إلى التخلي عن تحالفاتها الدفاعية، بل غالباً ما يدفعها إلى التمسك بها بصورة أكبر، مع السعي في الوقت نفسه إلى تطويرها أو معالجة أوجه القصور فيها. ولذلك فإن الهجمات الإيرانية، بدلًا من أن تؤدي إلى إضعاف الارتباط الأمني الخليجي بواشنطن، قد تمنح أنصار هذا الارتباط مزيدًا من الحجج لتأكيد أهميته وضرورته.

ومع ذلك ، يبقى المشهد الإقليمي أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في معادلة بسيطة بين إيران وأمريكا أو بين الهجوم والردع. فالحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، سواء حققت أهدافها العسكرية أم لم تحققها بالكامل، تركت وراءها بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وربما يكون الأثر الأهم لهذه الحرب أنها أطلقت مرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي، حيث لم تعد قواعد الاشتباك القديمة قائمة بالشكل نفسه ، ولم تتضح بعد ملامح التوازنات الجديدة التي ستنشأ بعد انتهاء المواجهات المباشرة.

ولهذا فإن أكثر ما يميز المرحلة الحالية ليس وضوح الصورة، بل العكس تماماً. نحن أمام منطقة تعيش حالة من السيولة السياسية والأمنية غير المسبوقة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والطموحات الجيوسياسية والصراعات الدولية الكبرى. وفي مثل هذه الأجواء، يصبح الانجراف وراء الاستنتاجات الحاسمة أو بناء توقعات نهائية بشأن مستقبل المنطقة نوعًا من المجازفة الفكرية. فالكثير من الوقائع لا يزال قيد التشكل، والكثير من اللاعبين لم يكشفوا بعد عن كامل أوراقهم، وما يبدو اليوم حقيقة ثابتة قد يتحول غدًا إلى مجرد محطة عابرة في مسار إقليمي أكثر تعقيداً واتساعاً مما يتخيله الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى