من الحرب إلى التفاوض .. كيف انتهت مواجهة إيران باتفاق يكشف فشل واشنطن وتل أبيب؟
بقلم : يوحنا عزمي
من أخطر الأخطاء في قراءة السياسة الدولية أن نصدق الشعارات التي تُرفع عند بداية الحروب ، لأن التاريخ أثبت مرارًا أن الأسباب المعلنة شيء، والنتائج النهائية شيء آخر تمامًا. وما يحدث الآن في المشهد الأمريكي الإيراني يكاد يكون النموذج الأوضح لهذه القاعدة ؛ فبعد شهور طويلة من التصعيد العسكري ، والتهديدات التي ملأت الشاشات عن ضرورة كسر إيران عسكرياً وإنهاء مشروعها النووي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة ، يبدو أن العالم يقف الآن أمام مشهد مختلف تماماً ، وربما صادم للكثيرين.
خلال الأيام الماضية، تعمدت واشنطن، وعلى رأسها دونالد ترامب، رفع سقف التهديدات إلى مستويات غير مسبوقة. تصريحات مباشرة عن ضرب إيران، أحاديث عن السيطرة على مواردها النفطية ، وتسريبات تتحدث عن خطط عسكرية قد تصل إلى احتلال أجزاء من الأراضي الإيرانية. المشهد كله كان يُرسم باعتباره لحظة الحسم الكبرى التي ستُنهي ما تعتبره واشنطن وتل أبيب الخطر الإيراني للأبد. لكن المفاجأة التي قلبت الصورة بالكامل جاءت سريعاً، فبعد ساعات فقط من هذه التهديدات، تراجع ترامب بصورة مفاجئة، وأعلن أنه بات قريبًا من “اتفاق رائع” ينهي الحرب.
هنا بدأ السؤال الحقيقي يفرض نفسه : كيف يمكن لواشنطن أن تنتقل بهذه السرعة من لغة الحرب الشاملة إلى إعلان اتفاق سياسي؟ والأهم ، ما طبيعة هذا الاتفاق الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى تغيير موقفها بشكل درامي خلال ساعات معدودة؟
التسريبات التي خرجت عبر وسائل إعلام دولية ، ونقلتها عدة مصادر إقليمية ودولية، تكشف صورة تبدو شديدة الإحراج بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل معًا. الحديث يدور عن هدنة تمتد لشهرين كاملين، تخفيف للعقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية ، إنهاء بعض القيود البحرية ، إعادة فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية ، ثم العودة مجددًا إلى طاولة المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.
إذا توقفنا هنا قليلًا ، سنكتشف المفارقة الكبرى؛ فالحرب في الأساس انطلقت تحت شعار واضح : منع إيران بالقوة من امتلاك قدرات نووية ، وتوجيه ضربة استراتيجية للنظام الإيراني نفسه. إيران من جانبها كانت تقول منذ البداية إنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي ، وكان هذا هو جوهر الأزمة قبل اندلاع الحرب.
وبعد كل الدمار الذي شهدته المنطقة، وبعد الخسائر الاقتصادية الهائلة، وتعطل إمدادات الطاقة العالمية، والهجمات التي أصابت القواعد الأمريكية، والخسائر الأمنية التي تعرضت لها إسرائيل… ينتهي المشهد بالعودة إلى نفس النقطة التي كان الجميع يقف عندها قبل إطلاق أول رصاصة: التفاوض.
لكن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا عندما نعلم أن الاتفاق المطروح لا يتوقف فقط عند الملف الأمريكي الإيراني، بل يمتد أيضاً إلى الجبهة اللبنانية، حيث تشير التسريبات إلى أن أي اتفاق نهائي يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من جنوب لبنان باعتباره جزءًا من ترتيبات التهدئة الشاملة.
بمعنى أكثر وضوحاً، الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا هذه الحرب بهدف تغيير موازين القوة بالكامل ، والاستيلاء على أوراق الضغط الإيرانية ، وإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية كبرى. لكن ما حدث على الأرض يقول شيئًا مختلفًا تمامًا؛ النظام الإيراني لم يسقط، البرنامج النووي لم يتم تفكيكه، القدرات الإيرانية لم تُكسر بالشكل الذي كان مخططًا له ، بل على العكس، أصبح الطرف الآخر هو من يبحث الآن عن مخرج سياسي سريع.
الأكثر إثارة للانتباه هو ما تردد عن وجود تنازلات مالية ضخمة جرى ترتيبها بعيدًا عن الأضواء كجزء من هذه التسوية. تقارير متعددة تحدثت عن دور خليجي في نقل أصول وأموال إيرانية مجمدة، وتقديم ضمانات مالية غير مباشرة مقابل تأمين المنشآت الحيوية وعدم توسيع دائرة الاستهداف العسكري داخل الخليج.
ورغم النفي الرسمي المعتاد، إلا أن قراءة المشهد الإقليمي تقول إن دول الخليج وجدت نفسها أمام حقيقة استراتيجية واضحة؛ وهي أن إسقاط النظام الإيراني عسكرياً لم يعد احتمالًا واقعياً ، وأن استمرار الحرب يهدد الأمن القومي لدول المنطقة أكثر مما يهدد طهران نفسها. وهنا انتصرت البراغماتية السياسية على الحسابات العسكرية، وتحولت الدبلوماسية من خيار ثانوي إلى ضرورة إجبارية.
حتى إسرائيل نفسها تبدو غير مرتاحة لهذه التطورات. التقارير القادمة من الإعلام العبري تشير بوضوح إلى أن بنيامين نتنياهو فوجئ بقرار ترامب وقف التصعيد، وأن تل أبيب لم تكن طرفًا حقيقيًا في التفاهمات المطروحة، وهو ما يفسر محاولاتها الأخيرة لفرض شروط جديدة تتعلق بتفكيك البنية النووية الإيرانية بالكامل ، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية ، في محاولة واضحة لتعطيل الاتفاق أو إعادة صياغته.
لكن إذا صحت كل المؤشرات المتداولة الآن، فنحن أمام تحول استراتيجي بالغ الأهمية. حرب بدأت بخطابات نارية تتوعد بمحو إيران وإنهاء نفوذها الإقليمي، وتنتهي بمذكرة تفاهم تمنح طهران وضعًا تفاوضيًا أقوى مما كانت تملكه قبل الحرب نفسها.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى ؛ فبدلًا من أن تخرج إيران مهزومة كما خُطط لها ، يبدو أنها خرجت وقد فرضت جزءًا كبيراً من شروطها، بينما تجد واشنطن نفسها مضطرة للبحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه أمام الداخل الأمريكي ، خاصة بالنسبة لترامب الذي كان قد بنى خطابه السياسي لسنوات على مهاجمة اتفاق أوباما النووي واعتباره تنازلًا كارثياً ، قبل أن يجد نفسه الآن أقرب إلى توقيع تفاهم يبدو، من حيث الجوهر ، أكثر مرونة تجاه إيران من الاتفاق الذي هاجمه بنفسه سابقاً.
ورغم ذلك، يبقى احتمال انهيار الاتفاق قائماً في أي لحظة. إسرائيل لن تقبل بسهولة بتسوية تمنح إيران هذه المساحة الجديدة من النفوذ، ونتنياهو يدرك جيدًا أن نجاح مثل هذا الاتفاق قد يكتب نهاية مستقبله السياسي بالكامل. كما أن هناك احتمالًا آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن كل ما يجري الآن ليس سوى هدنة مؤقتة وشراء للوقت، تمهيدًا لجولة جديدة من المواجهة قد تكون أكثر عنفًا وتدميراً.
لكن حتى هذه اللحظة ، إذا سارت الأمور نحو التوقيع النهائي كما تشير المؤشرات، فالتاريخ قد يسجل أننا شهدنا واحدة من أكثر الحروب غرابة في السنوات الأخيرة… حرب بدأت بهدف كسر إيران، وانتهت بإعادة الاعتراف بها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
